الاكتساب

Posted by admin - 03/03/2011 - الثقافة العامة, الحديث النبوي, السلوك, الشباب والمستقبل, الفقه وأصوله - No Comments

إن الله فرض على العباد الاكتساب لطلب المعاش ليستعينوا به على طاعة الله ، قال الله عز وجل: (وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً) [الجمعة 10]، فالله جعل الاكتساب في هذه الآية سبباً للعبادة.

وقد حث رسول الله الأعظم المسلمين على الاكتساب إذ قال، كما رواه الطبراني: طلب كسب الحلال فريضة بعد الفريضة. وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: طلب الحلال واجب على كل مسلم. ومعناه أنه يجب على كل مسلم الكسب الحلال لمؤنة النفس والعيال. ويعتبر السعي والخروج لطلب الحلال جهاد، أي ثوابه كثواب الجهاد.

وفي الحديث أن رسول الله صافح سعد بن معاذ رضي الله عنه يوماً فإذا يداه قد أمجلتا فسأله النبي عن ذلك فقال: أضرب بالمر والمسحاة في نخيلي لأنفق على عيالي، فقبّل رسول الله يده وقال: كفّان يحبهما الله تعالى. فهذا يدل على أن المرء باكتساب ما لا بد منه ينال من الدرجات أعلاها.

واعلموا يا إخواني أن الأنبياء عليهم السلام قد أمروا بالكسب فاكتسبوا وأمرنا بالتمسك بهم والاقتداء بهديهم، قال الله تعالى: (فبهداهم اقتده) [الأنعام 90]، وبيانه أن أول من اكتسب أبونا آدم عليه السلام، قال الله تعالى: (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) [طه 117]، أي تتعب في طلب الرزق. وقال مجاهد رحمه الله في تفسير الآية: لا تأكل خبزاً حتى تعمل عملاً حتى الموت. وفي الآثار أن آدم لما أهبط إلى الأرض أتاه جبريل عليه السلام بالحنطة وأمره بأن يزرعها فزرعها وسقاها وحصدها وداسها وطحنها وخبزها، فلما فرغ تمن هذه الأعمال، حان وقت العصر فأتاه جبريل عليه السلام وقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول: إن صمت بقية اليوم غفرت لك خطيئتك وشفعتك في أولادك، فصام حريصاً على تناول ذلك الطعام لينظر أنه هل يجد له من الطعم ما كان يجد لطعام الجنة. فمن ثمة حرص الصائمون بعد العصر على تناول الطعام.

وكذا نوح عليه السلام كان نجاراً يأكل من كسب يده، وإدريس عليه السلام كان خياطاً، وإبراهيم كان بزازاً على ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: عليكم بالبز فإن أباكم كان بزازاً). وداود عليه السلام كان يأكل من كسب يده، فكان يصنع الدرع ويبيعها. وكان سليمان عليه السلام يصنع المكاتل. وزكريا عليه السلام كان نجاراً، وعيسى يبيع غزل أمه، ونبينا عليه الصلاة والسلام كان يرعى الغنم في بعض الأوقات ويتجر.

ثم إن المكاسب أربعة: الإجارة والتجارة والزراعة والصناعة. وقد حث نبي الرحمة صلوات الله عليه وآله على ذلك كله. حث على الزراعة بأن قال: أطلبوا الرزق تحت خبايا الأرض. يعني الزراعة. وقال أيضاً: الزارع يتاجر ربه. وقال في التجارة: التاجر الأمين مع الكرام البررة يوم القيامة. وأما الصناعة فمثل صناعة الطب والهندسة. وانعكست أهميتها في أمر النبي المسلمين بالتداوي واكتساف الأدوية، وفي الهندسة في عمله عليه الصلاة والسلام في بناء المساجد والخنادق وغيرها، كما جاء في السيرة النبوية. والإجارة فهي مشروعة ويطول شرح كل من هذه المكاسب، فمن شاء أن يتوسع في معرفة طرق الكسب فليطالع كتب الفقه المطولة.

وانظروا يا إخواني في الله، فهل حققت حضارة إلا بالعمل والاجتهاد والاكتساب. يا ترى هل فتح المسلمون الأوائل البلدان والأمصار ثم نشروا فيها العلوم ووطدوا أسسها وبنوا الحضارات وقدموا الكثير الطيب للإنسانية إلا بالأعمال الشاقة والمجاهدات المستميتة والتضحيات النفسية. فنجد آثار أسلافنا الصالحين ومساعيهم الحميدة للإنسانية ومصالح الأنام في جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية والطبية والفلكية والأخلاقية والحضارية وغيرها، وقد سبقت معطيات علمائنا ومفكرينا المسلمين وإنجازاتهم الحضارية معطيات الغربيين وعلينا الآن أن ننهض ونعيد الكر بالعمل النافع والاكتساب الحلال لمؤنة النفس والعيال وبناء الأسرة والمجتمع والشعب والأمة.

الكاتب: محمد غازي العيدروس.

No comments

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>